لسان الدين ابن الخطيب
89
الإحاطة في أخبار غرناطة
مكلّفة لك غير ما في طوقك ، فإن لم تنل أغراضها « 1 » قلبت عليك السّماء من فوقك ؟ ألجلساء ببابك ، لا يقطعون زمن « 2 » رجوعك وإيابك ، إلّا بقبيح اغتيابك ؟ فالتّصرّفات تمقت ، والقواطع النّجوميّات « 3 » توقّت ، والألاقيّ « 4 » تبثّ ، والسعايات تحثّ ، والمساجد يشتكى فيها « 5 » البثّ ، يعتقدون أن السلطان في يدك بمنزلة الحمار المدبور ، واليتيم المحجور ، والأسير المأمور ، ليس له شهوة ولا غضب ، ولا أمل في الملك ولا أرب ، ولا موجدة « 6 » لأحد كامنة ، وللشّر ضامنة ، وليس في نفسه عن رأي نفرة ، ولا بإزاء ما لا يقبله نزوة وطفرة ، إنما هو جارحة لصيدك ، وعان في قيدك ، وآلة لتصرّف كيدك ، وأنّك علّة حيفه ، ومسلّط سيفه : الشّرار يسملون عيون الناس باسمك ، ثم يمزّقون بالغيبة مزق جسمك ، قد تنخّلهم الوجود أخبث ما فيه ، واختارهم السّفيه فالسّفيه ، إذ الخير يسرّه « 7 » اللّه عن الدّول ويخفيه ، ويقنعه بالقليل فيكفيه ، فهم يمتاحون بك ويولونك الملامة ، ويقتحمون « 8 » عليك أبواب القول ويسدّون طرق السّلامة ، وليس لك في أثناء هذه إلّا ما يعوزك مع ارتفاعه ، ولا يفوتك مع انقشاعه ، وذهاب صداعه ، من غذاء يشبع ، وثوب يقنع ، وفراش ينيم ، وخديم يقعد ويقيم . وما الفائدة في فرش تحتها جمر الغضا ، ومال من ورائه سوء القضا ، وجاه يحلّق عليه سيف منتضى ؟ وإذا بلغت النّفس إلى الالتذاذ بما لا تملك ، واللّجاج حول المسقط الذي تعلم أنها فيه تهلك « 9 » ، فكيف تنسب « 10 » إلى نبل ، أو تسير « 11 » مع « 12 » السعادة في سبل ؟ وإن وجدت في القعود « 13 » بمجلس التّحية ، بعض الأريحيّة ، فليت شعري أيّ شيء زادها ، أو معنى أفادها ، إلّا مباكرة وجه الحاسد ، وذي القلب الفاسد ، ومواجهة العدوّ المستأسد ؟ أو شعرت ببعض الإيناس ، في الركوب بين الناس . هل « 14 » التذّت إلّا بحلم كاذب ، أو جذبها غير الغرور مجاذب « 15 » ؟ إنما الحلية « 16 » وافتك من يحدّق إلى البزّة ، ويستطيل مدّة العزّة ، ويرتاب إذا حدّث « 17 »
--> ( 1 ) في النفح : « فإن لم يقع الإسعاف قلبت . . . » . ( 2 ) في النفح : « زمان » . ( 3 ) كلمة « النجوميات » ساقطة في النفح . ( 4 ) الألاقيّ : جمع ألقيّة وهي ما ألقي من التحاجي والألغاز . لسان العرب ( لقي ) . ( 5 ) في النفح : « في حلقها » . ( 6 ) الموجدة : الغضب . لسان العرب ( وجد ) . ( 7 ) في النفح : « يستره » . ( 8 ) في المصدر نفسه : « ويفتحون » . ( 9 ) في الأصل : « تملك » والتصويب من النفح . ( 10 ) في الأصل : « ينسب » والتصويب من النفح . ( 11 ) في الأصل : « أو يسر » والتصويب من النفح . ( 12 ) في النفح : « من » . ( 13 ) في النفح : « الجلوس » . ( 14 ) في النفح : « ما » . ( 15 ) في النفح : « جاذب » . ( 16 ) في النفح : « إنما راكبك من يحدّق إلى الحلية والبزّة . . . » . ( 17 ) في النفح : « حدثت » .